كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

الدلالة السادسة:

 

يدلّ هذا الحديث على أن أهل البيت هم خلفاء الله ورسوله بعد النبي ، ويمكن الاستدلال على

إنّ الإمامة والخلافة الإلهية منحصرة بالعترة الطاهرة، وذلك لقول النبي : (لن يفترقا) أي أنّ القرآن لن يفترق عن أهل البيت وهم أيضا لن يفترقوا عن القرآن أبدا. وهذا يدلّ على أن غير العترة محتاج لهم كما أنّه محتاج إلى القرآن، فلا يمكن لأحد آخر أن يكون خليفة وإماما، فلو كان كذلك لم يحتج هذا الشخص ـ أو الأشخاص ـ  إلى أهل البيت وهذا محال كما مر. بل كان العكس، أي لا يحتاج أهل البيت إلى ذلك الشخص ولو كان ذلك لخبَّر عنه النبي ولما خصّص كلامه بأنّ الثقلين ـ أي القرآن والعترة ـ لن يفترقا وهذا بالإضافة إلى عصمة أهل البيت لعدم افتراقهم من القرآن، يعني أيضا أن القرآن لا يفترق عنهم فهو بذلك لا يلتحق بأحد آخر بكلّ جوانبه وما يشتمل من العلوم والمعارف.

روى الشيخ الكليني q [1] عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس، وعلي بن محمد بن سهل بن زياد أبي سعيد عن محمد بن عيسى عن يونس، عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله y عن قول الله عز و جل: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)، فقال: (نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين ).

فقلت: إنّ الناس يقولون فما باله لم يسمّ عليّا وأهل بيته في كتاب الله عز و جل؟

فقال: قولوا لهم إنّ رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثا ولا أربعا، حتى كان رسول الله هو الذي فسّر ذلك، ونزلت الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهما درهم، حتّى كان رسول الله هو الذي فسّر لهم ذلك، ونزل الحجّ فلم يقل لهم طوفوا أسبوعا حتّى كان رسول الله هو الذي فسّر لهم ذلك، ونزلت: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)[2].

ونزلت في علي والحسن والحسين فقال رسول الله وأهل بيتي فإنّي سألت الله أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة. فلو سكت رسول الله فلم يبين من أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان، لكنّ الله أنزل في كتابة تصديقا لنبيه: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا) [3]. فكان علي والحسن والحسين وفاطمة فأدخلهم رسول الله تحت الكساء في بيت أم سلمة ثمّ قال: اللهم إنّ لكلّ نبيّ أهلا وثقلا وهؤلاء أهلي وثقلي. فقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ قال: إنّك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي، فلما قبض رسول الله كان علي أولى بالناس، لكثرة ما بلّغ فيه رسول الله وإقامته للناس وأخذه بيده[4]، فلمّا مضى علي لم يكن يستطيع علي ـ ولم يكن ليفعل ـ أن يدخل محمد بن علي ولا العباس بن علي ولا واحدا من ولده.. فلمّا مضي علي، كان الحسن أولى بـها لكبره فلما توفي لم يستطيع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك، والله عز و جل يقول: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) [5]. فيجعلها في ولده.. فلما صارت إلى الحسين لم يكن أحد من أهل البيت يستطيع أن يدعي عليه، لو أراد أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلاه، ثمّ صارت حين أفضت إلى الحسين فجرى تأويل هذه الآية (أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ثم صارت من بعد الحسين لعليّ بن الحسين. ثم قال: الرجس هو الشك، والله لا نشك في ربّنا أبدا. الخبر.

ولو لم يستخلف رسول الله في علمه أحدا يحكم بحكمه، ولا يخالف حكم الله ورسوله ولا يكون في علمه اختلاف، لضيع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده. ولا يشك أحد أن النبي كان أحرص الناس على قومه من الضياع[6].

وهل يعقل أن يعيّن أبو بكر عمر ليخلفه في الناس حرصا منه على مستقبل الأمة، ويترك النبي أمته التي لطال ما تحمل الأذى في سبيل هدايتها من دون إمام ووصيّ ليرجعوا إليه؟ وما هو واضح من كلمة "الخليفة" إنّه معين من قبل النبي نفسه، لا من انتخبه بعض الحاضرين في سقيفة بني ساعدة..! فلو اجتمع الجن والإنس وعيّنوا أحدهم ليخلف النبي، لما صار ذلك الشخص خليفة له من دون تعيين ونص من جانب النبي شخصيا. فكيف يمكن أن يختار الناس أحدهم ليكون خليفة ووصيا لمن مضى ورحل ومن دون أن يمضي له بالوصاية والخلافة؟! وكما أنّه لم يكن للناس الحق في اختيار النبي، فليس لهم أن يختاروا وصيه وخليفته، وينبغي أن يكون الخليفة منصوصا عليه كما هو حال أهل البيت أجمعين.

وقد كانت نتيجة إنكار الوصاية والإمامة، ما شوهد من الاختلاف والتشتت في الأمة وتفسير القرآن بالرأي واتخاذ القياس أصلا في استنباط الأحكام الشرعية.. وبما أن المسلمين كانوا يتلقون الأحكام والقوانين والعبادات التي تنظّم شؤون المجتمع كأحكام الصلاة والصوم والجهاد والحج والمواريث والقضاء وغيرها من شخص الرسول، فهو مبلّغ الدين والداعي إلى سبيل الهدى والناطق بلسان الوحي. ولكن بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى وحدوث أمور ومواقف مستجدة تحتاج إلى بيان رأي الإسلام فيها، وتحديد الحكم الشرعي الذي ينظمها، شاع الخبط والشماس والتلوّن والاعتراض والجدل والانحراف بين المختلف طبقات المجتمع، وذلك لأنهم لم يجدوا آية محكمة أو سنّة صريحة في بيان حكم الكثير من المسائل لانقطاع مصدر التشريع عندهم مع وفاة النبي، فقاسوا برأيهم واختلفوا أشد الاختلاف، وذلك لأنّهم لم يتمسكوا بالعروة الوثقى وبحبل الله المتين وصراطه المستقيم الذي أمروا بالاعتصام به.

فأحدثوا عشرات الفرق والمذاهب الضالة واختلفوا في كلّ شيء حتى في صفات الله تعالى وفي أسمائه العليا، ناهيك عن فروع الدين وتفاصيله.. فقال جمهور منهم بالتجسيم فعبدوا إلها خلقوه وصنعوه بأنفسهم في أوهامهم، وذهبت طائفة منهم إلى وحدة الوجود فعبدوا إلها ذاب في كل شيء وذاب فيه كل شيء حتّى رأوا أنفسهم جزءا منه، وكذلك اختلفوا في عصمة الأنبياء الذين هم حجج الله على الخلق ونسبوا لهم المعصية وأنزلوهم إلى أرذل الخلق[أنظر الحاشية أدناه للمزيد من الإطلاع]، واختلفوا في جل الأصول والفروع والأحكام والسنن. وذلك لأن النبي لم يحكم بينهم في كل صغيرة وكبيرة، ولم يبين لهم إلاّ ما ابتلوا به واختلفوا فيه وإنّما أرجعهم إلى من يهديهم سواء السبيل، ذلك لأن العمل بالرأي والقياس موجب للاشتباه والالتباس لأنهما لا يفيدان اليقين أبدا.

قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم). "فلما خولف رسول الله ونبذ قوله وعصي أمره فيهم   واستبدوا بالأمر دونهم، وجحدوا حقهم، ومنعوا تراثهم، ووقع التمالئ عليهم بغيا وحسدا وظلما وعدوانا حق على المخالفين أمره والعاصين ذريته وعلى التابعين لهم والراضين بفعلهم ما توعدهم الله من الفتنة والعذاب الأليم، فعجل لهم الفتنة في الدين بالعمى عن سواء السبيل والاختلاف في الأحكام والأهواء، والتشتت"[8].

فبالرغم من اشتراكهم في كلمة (لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله) ولكنهم على أشد اختلاف في مصاديقها وتفاصيلها، كاختلافهم في ذات الله والتوحيد[9] والعدل والمعاد والبعث والنبوة وعصمة الأنبياء والرسل، واختلفوا في أصول الدين وفروعه حتى تحقق خبر رسول الله: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة)[10] فيجب أن يبحث كل عن الفرقة الناجية التي تمسكت بالدين الإسلامي المحمدي الأصيل ويجتهد في البحث والتنقيب لكي لا يغدوا من الفرق الضالة الأخرى، والله المستعان.

وقد أبى الله عز و جل بعد رسول الله أن يترك العباد ولا حجة عليهم، وأبى الله عزّ ذكره أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود والأحكام والمسائل الشرعية المستجدةّ وليس تفسيرها عند إمام محدَّث مؤيّد من الله يخلفه في الأرض لكي لا تخل الأرض من حجة.

ولو قيل أن الله عز و جل أقام القرآن والسنة النبوية الشريفة للناس حجة ودليلا كي لا يتشتتوا ويختلفوا بعد النبي ، فلم اختلفت الأمة وكفّر المسلمون بعضهم بعضاً ولا زالت الأمة تمخر في بحور من الدماء، منذ يوم كارثة السقيفة المشئوم إلى يومنا هذا، ثم إلى يوم يأتي الله بالفرج على يد ولي العصر وصاحب الزمان وخليفة الرحمن الحجة بن الحسن، مهدي هذه الأمة وطاووس أهل الجنة ومنقذ البشرية سلام الله عليه وعلى آبائه المعصومين الغرّ الميامين.

وقد آل الأمر ببعض الجهلة المتعجرفين حتى اعتبروا الشيعة كفّارا وزنادقة واتهموهم بأبشع التهم حتى قرنوهم باليهود والمجوس، وذلك لحبهم أهل بيت النبوة ليس إلاّ؛ فهل هم خارجون عن دائرة الإسلام المحرم للدماء والأعراض والأموال بكتاب الله وسنة نبيه؟ وهل اقترفوا إثما لا يغتفر، غير ولايتهم لإمام حث النبي أمته على اتباعه وولائه لما نزل في كتاب الله من ولايته؟!

قال الإمام الشافعي:

إن كان رفضاً حب آل محمد

 

فليشهد الثقلان أني رافضي[11]

 


 

 


 

[1]- الكافي: ج1 ص286.

[2]- سورة النساء: الآية 59.

[3]- سورة الأحزاب: الآية 33.

[4]- أي في يوم الغدير وغيره.

[5]- سورة الأنفال: الآية 75، سورة الأحزاب: الآية 6.

[6]- قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).

[7]- ففي صحيح البخاري و غيره من الصحاح (!) أحاديث تنسب إلى النبي الأكرم أموراً تشمئز منها قلوب عوام المسلمين ناهيك عن النبي الأمين، الذي قال عنه العظيم: (إنك لعلى خلق عظيم)، ومنها أنه كان ـ والعياذ بالله ـ مشغفا بالغناء واللهو كما هو مفاد الأخبار الواردة في صحيح البخاري: ج7 ص33 و ص32 و ص38 (كتاب النكاح) و ج5 ص40، وما في سنن ابن ماجة: ج1 ص612. ومنها أيضا ما ينسب إلى النبي الأكرم المشاركة في حفلات الغناء والرقص النسائية كما في البخاري: ج5 ص105 (كتاب الفضائل) و ج7 ص20 (كتاب النكاح) ومنها ما اتهمت النبي الأكرم بأنه كان يدعو عائشة لمشاهدة رقص الرجال وطربـهم وأنه كان يعينها على ذلك كما أورد ذلك البخاري في صحيحه: ج1 ص123 (كتاب الصلاة) و ج7 ص48 (كتاب النكاح)، و ج22 ص20 (كتاب العيدين)، كما ذكره مسلم أيضا في: ج2 ص609 (كتاب صلاة العيدين). وقد آلت وقاحة القوم إلى نسبة أمور كالتبول من قيام إلى نبي الهدى كما في صحيح البخاري: ج1 ص66 و ج3 ص177 كما رواه مسلم أيضا في صحيحه: ج1 ص544 (كتاب فضائل القرآن)، ومفاد هذه الأخبار هو: (أن رسول الله قام كما يقوم أحدكم فبال قائما)! ومن تمعن في طبيعة هذه الروايات المزيفة والمفتراة لعلم أنها جاءت لعدة أسباب منها تبرير الفساد الخلقي في البلاط الخليفي الذي شاعت فضائحه وعمّت سوئته. المصادر نقلاً عن كتاب "أضواء على الصحيحين" للشيخ محمد صادق النجمي.

[8]- محمد بن إبراهيم النعماني (كتاب الغيبة) ص55.

[9]- كتشبيهه تعالى بخلقه ونسبة الرؤية له في يوم القيامة وفي المنام؛ راجع صحيح البخاري: ج1 ص145 (كتاب الصلاة) وغيره وكذلك صحيح مسلم: ج1 ص439، سنن الترمذي: ج5 ص343 (كتاب تفسير القرآن). وقد روى السيوطي في "اللئالي المصنوعة" صلاة يصليها الرجل فيرى الله في المنام! (المصدر).

[10]- مستدرك الحاكم: ج1 ص128، سنن أبي داود: ج4 ص198، سنن ابن ماجة: (باب افتراق الأمم) ج2 ص1321.

[11]- عن كتاب (لماذا اخترت مذهب الشيعة) للقاضي الأنطاكي قال: أخرجه في الكنى والألقاب: ج2 ص349 عن الفصول المهمة.

 


 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.