كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

الدلالة الثالثة:

تنبيه حول حقيقة الثقلين و اتحادهما

 

ومن جهة أخرى، فإن القرآن والعترة أساساً، هما جزءان من عنصر واحد وحقيقةٍ واحدةٍ بسيطة مجردة ـ إن صحّ التعبير ـ وهو العلم الإلهي المودع فيهما، فلا يمكن التفكيك بينهما لأنهما في الحقيقة شيء واحد.

ومما يدل على هذا المعنى، ما ورد ضمن حديث الثقلين على (أنهما لن يفترقا). فليست حقيقة القرآن الكريم ألفاظه أو حروفه أو ما شاكل ذلك، بل حقيقته العلم الذي تشير ألفاظه إليه، فالألفاظ والحروف والكلمات والجمل وسائل وأسباب إلى حقيقة العلم والنور الإلهي، ويمكن التعبير عنها بإشارات ودلالات من أجل التنبيه والتذكرة إلى الحقائق، كما أن العين وسيلة إلى الرؤية وليست العين هي الرؤية والنظر بحد ذاتها. ولا يخفى أن كون الألفاظ والحروف وسيلة إلى تحصيل العلم الإلهي يجعلها مقدسة ولا يجوز مسّ رسمها إلاّ بطهور.

 ولذلك فإننا نجد من يهتدي إلى النور الإلهي عبر الاستماع إلى كلمة أو آية فيلقي الله نور العلم والإيمان في قلبه فيؤمن بالله الواحد الأحد، بينما نرى أشخاصا أدمنوا قراءة القرآن وأجادوا تلاوته بل حفظوه عن ظهر القلب، لكنهم في نفس الوقت أبعد ما يكونون عن علومه وحقيقة معانيه. فالألفاظ ليست غاية بل هي سبب يمكن أن يوصل إلى الغاية ويمكن أن لا يوصل حسب طلب الفرد وإلحاحه وتسليمه وتقواه وخشوعه وتضرّعه لدى ساحة القدس الإلهية. فحقيقة الكتاب هي نور العلم الذي ينير قلوب المؤمنين..

وكذلك فإن حقيقة العترة الطاهرة التي تجعلهم عدلاً للقرآن وجزءاً لا يتجزأ منه، هو العلم الذي صارت أرواحهم الزكيّة أوعية وحملة له واصطفاهم الله به بفضله ومنّه.

ومما يدل على اتحادهما، ورود لفظ (لن يـتـفرقا) بدلاً من (لن يـفـترقا) في بعض نسخ الحديث[1].

فالتفرق يوحي بتفكك الشيء الواحد وتلاشيه على نفسه، بينما الافتراق يعني انفصال شيء عن شيء آخر، كافتراق الزوج عن زوجته. ولكننا إذا أردنا أن نتحدث عن العائلة ـ مثلا ـ و هي كيان واحد، لزم أن نقول "تفرّقت العائلة". فقولنا "افترق القوم" غير بليغ لعدم وجود شيء يفترق القوم عنه. والصحيح أن يقال "تفرّق القوم" أي انحلّ جمع القوم الواحد فصاروا شتات متفرّقين.

أما كون الضمير المتصل بلفظ "التفرّق" ضمير تثنية، أمر موجّه لكون الثقلين شيئان في الظاهر؛ فالقرآن شيء والعترة شيء، إلاّ أنهما صارا كالشيء الواحد الذي لا يمكن تفكيكه لشدّة التلازم بينهما.

ولربما دل الحديث الوارد عن رسول الله بطرق كثيرة؛ وهو قوله : (علي مع القرآن والقران مع علي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)[2] على ذات المعنى.. فلوا أوّلنا الشطر الثاني من الحديث؛ أي كون القرآن مع علي ، بأن أمير المؤمنين كان يحفظ القرآن ويرعاه ويستلهم العلوم منه، ثم توقفنا عند هذا الحدّ، فكيف نؤوّل الشطر الأول منه؟ وماذا يعني كون أمير المؤمنين في معيّة القرآن دون افتراق؟! ويشتد الوله والتحيّر حين الالتفات إلى أن أمير المؤمنين قد توفاه الله وهو ليس بموجود بجسمه وصورته في ظاهر الأمر! فكيف يكون مع القرآن إذن؟!

و لربما يكون الجواب أن حقيقة القرآن موجودة مع الإمام علي ؛ وهي العلم.. وحقيقة الإمام علي موجودة مع القرآن؛ وهي العلم أيضا.. وبما أن العلم حقيقة بسيطة لا تتجزأ فالقران وعلي لا يتجزءان أبداً.

و هذا يفسر قولـه في بعض نسخ الحديث حين يشير إلى القرآن و العترة بقولـه: ".. أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي.." فسبب كون القرآن أكبر من العترة هو لأنه كلام الله و هو ليس بأعظم منهم بمجرد كلماته و حروفه التي لا تختلف عن الحروف الأخرى، فهو مركب من كلمات العربية المتداولة التي رسمت على أوراق و وضعت بين دفتين.. و هذا ليس ما نذهب إليه حين نذكر القرآن، بل حقيقة القرآن هي تلك الحقيقة النورانية التي لا تُعقل و لا نستطيع الإحاطة بها لأنها أجل و أسمى من أن  تنالها أوهام العباد، فهي فوق المعلومية و المعقولية و هي العلم الإلهي الذي تجلى في هذا الكتاب السماوي المقدّس، و إنما صار أهل البيت عدولاً للقرآن لأنهم حملة لهذا العلم و خزاناً و معدناً له.. و لذلك يبقى هو الأساس في عظمتهم فهو أكبر منهم.. ذلك لأن العالم إنما يصير عالماً بالعلم و هو السبب في تفوّق العالِم على الجاهل، فالعلم أعظم من العالم..

وهذا دليل على عصمة أهل البيت أيضا. فمن كان علمه علم القرآن وعلم القرآن علمه، كيف يجوز له أن يرتكب ذنبا؟! ومن عرف الله حق معرفته كيف لا يخشى الله حق خشيته؟! قال تعالى: )إنما يخشى الله من عباده العلماء( فأهل البيت   ـ وأيم الله ـ هم العلماء.

والبحث فيما يتعلق بعلم أهل بيت العصمة و الطهارة i مفصّل و عميق، نتركه لعلو شأنه عن أن تناله أوهامنا القاصرة و الله نسأل في أن يلهمنا العلم و اليقين، عليه نتوكل و به نستعين.


 


 

[1]-  كما في الحديث الوارد في مسند أحمد، كتاب مسند الأنصار، باب حديث زيد بن ثابت، ص189 ط دار صادر بيروت، رقم: 20667 وكذلك ما ورد في سنن الترمذي، كتاب المناقب عن الرسول، باب مناقب أهل بيت النبي، ص262 ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، رقم: 3718 وغيرها من كتب الشيعة والسنّة.

[2]- المعجم الصغير للطبراني ـ دار إحياء التراث العربي ـ: ص303، والمستدرك على الصحيحين ـ دار المعرفة، بيروت ـ: ج3 ص124، ومجمع الزوائد ـ دار الكتاب العربي، بيروت ط1402ـ: ج9 ص134، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ص193 وغيرها.

 
 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.