كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

الدلالة الثالثة:

لا ريب في أن كل ذي لب إذا أمعن النظر في حديث الثقلين سيجد بكل وضوح أن اقتران أهل البيت بالكتاب دليل على وجود جميع علوم القرآن في حوزتهم، ذلك لأنهم لو لم يحيطوا بكلّ علومه علما لافترقوا عنه فيما يجهلون، لأن الجاهل بالشيء منفصل عمّا يجهل وهذا أمر بديهي. ولو افترضنا أنهم لا يعلمون بعضه لما كان التمسك بـهم موجبا للأمن من الضلالة، فالمرء ـ في هذه الصورة ـ عندما يرجع إلى العترة في أمر من أموره لا يأمن من السقوط في الخطأ المؤدي إلى الضلالة والانحراف، إذ أن احتمال جهلهم ذلك الموضوع وارد في كل حين وهذا ينافي اليقين والطمأنينة اللازمة في الأمور الدينية. لذلك فإن اتباع غير المعصوم، مهما بلغ من درجات الكمال سيؤدي إلى السقوط في هاوية الضلال لا محالة، فاحتمال صدور الخطأ عن عدول القرآن ـ أي أهل البيت ـ باطل لقول الرسول: (لن تضلّوا بعدي أبدا).

كما لم تكن لأحد الجرأة في الإدعاء بأنّ عنده علم الكتاب سوى أهل البيت، فهم المعنيّون بقوله تعالى: (لا يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم) وفي قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) وفي قوله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) وهم أهل الذكر في قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، فقد روي عن الإمام الصادق أنه قال: (للذكر معنيان، القرآن ومحمّد، ونحن أهل الذكر بكلا معنييه، أما معناه القرآن فقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم) وقوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) وأمّا معناه محمد فالآية في سورة الطلاق: (فاتّقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكراً ! رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبيِّنات لِيُخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور)[1].

وكذلك قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا) فقد نزلت في أهل البيت، وقد قال بذلك مجموعة من المفسّرين، ومنهم ابن حجر في كتابه "الصواعق المحرقة" في باب "ما أنزل في أهل البيت من القرآن".

وذكرها القندوزي في كتابه "ينابيع المودّة" حيث قال في قولـه تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً): "أخرج الثعلبي عن أبان بن تغلب عن جعفر الصادق قال: نحن حبل الله الذي قال الله عز و جل: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)". وأيضا أخرج صاحب كتاب المناقب عن سعيد بن جبر عن ابن عباس عنهما قال: كنا عند النبي ، إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله سمعتك تقول واعتصموا بحبل الله، فما حبل الله الذي نعتصم به؟ فضرب النبي يده في يد علي وقال: "تمسكوا بهذا هو حبل الله المتين".

ولم يدَّعِ أحد مهما بلغ من العلم، أنه محيط بجميع علوم القرآن ظاهره وباطنه وأنه يعلم تأويل القرآن و تفسيره كلّه، وأنه قادر على استخراج جميع الأحكام والحقائق منه، غير الأوصياء الإثني عشر المعصومين من أهل بيت خاتم الأنبياء الذين أخذوا عن النبي والذي يأخذ بدوره عن بارئه تعالى شأنه وتقدّست أسمائه.

فقد قالوا وأعلنوا بأنّهم أهل الذكر والراسخون في العلم وأن علم الكتاب عندهم وقد أقر بذلك كل أعدائهم ولم يغلبهم أحد ممن تحدّاهم بالعلم والحكمة والمعرفة الإلهية التي ورثوها من جدّهم رسول الله .

ولا يمكن الفصل بين القرآن والعترة، لأن ذلك في مثابة الفصل بين المنهج والمعلّم والنظرية والمطبّق.

فإنّ فك عقد المعاني القرآنية وألفاظه التي كثيرا ما تحمل أكثر من معنى واحد، مسؤولية لا يتحمّلها إلاّ الراسخون في العلم. فترى كلّ فرقة تستدلّ بآيات من الذكر الحكيم وتزيّن بها آرائها وأفكارها لأنّ "القرآن حمّال ذو وجوه" أي أن مصطلحاته ربّما تأخذ أكثر من معنى واحد وربّما كانت المعاني متناقضة في نظرنا القاصر، ويمكن أن يقال أن بعض ألفاظ هذا النص قد حوت على ما يصطلح عليه بمفارق طرق متعدّدة للمفردة الواحدة، إذ يصعب الوصول إلى مقصود البارئ عز و جل من كلامه الذي هو في الحقيقة عصارة رسالة خاتم الأنبياء وآخر ما سينزل به الوحي إلى يوم القيامة. فكان لابدّ أن يحتوي الكتاب العزيز على كلّ ما يحتاج إليه الناس وبصورة إعجازية مختصرة مكثفة ليوصل إلى السعادة الأبدية والخلد في الجنان وليكون حجة على الخلق أجمعين حتّى قيام يوم الدين.

ولو صحّت مقولة عمر: "حسبنا كتاب الله" لانتفت الحكمة في إرسال الأنبياء والرسل بما في ذلك النبي المصطفى ولما أحتاج الناس إليهم، بل لاكتفى البشر بكتاب ينزل عليهم من السماء يقع في مئات المجلّدات يشرح فيه الخالق كلّ صغيرة وكبيرة بالتفصيل لكي يفهمه العالم والجاهل والجميع حتّى تتمّ الحجة عليهم!

ولكن اقتضت حكمة الله أن يرسل الأنبياء والأوصياء، فقال عز من قائل: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلالٍ مبين([2]، وهذا يدلّ على أن فهم الكتاب لا يكون إلاّ بتعليم الرسول وقد قال الله تعالى: )وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ولعلّهم يتفكّرون)[3]، وهذه الآية صريحة بأننا لكي نفهم القرآن بحاجة إلى بيان النبي وشرحه له وفك رموزه وتفسيره وتعيين محكمة من متشابهة وناسخة من منسوخة وخاصّه من عامّه، وإفهامه للناس على قدر عقولهم ومستواهم العلمي وتحملهم للمعارف الإلهية، وما إلى ذلك من شرح وتبيان عميقين. وبما أنّ مستويات الناس تختلف عبر العصور والأزمنة فلابدّ من شارح للقرآن يفسّر لكلّ جيل حسب مستواهم العلمي. ويجب أن يكون هذا الشارح ملمّا بجميع علوم القرآن ومعارفه، وهذه الصفة لا تكمل إلاّ في أهل البيت لعدم افتراقهم عن القرآن وعدم افتراقه عنهم.

وأمّا قولـه تعالى: (لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا وما يذكّر إلاّ أولوا الألباب) فدليل واضح في تخصيص التأويل بالله والراسخين في العلم، لا عامة الناس. ولو قيل أنّ الواو في قولـه (والراسخون) واو استئنافية ولا ربط بين شطري الآية، فهذا يخرج كون النبي ـ هو الذي نزل عليه الفرقان ـ عالماً بتأويل القرآن. فما فائدة كتاب لا يعلم تأويله أحد من البشر ولا سبيل لتعلّمه حتى من النبيّ الذي جاء به؟! ولا مجال للبحث في علم الرسول الذي هو أفضل الراسخين في العلم، وقد علَّمه الله عز و جل جميع ما أنزل عليه من التنـزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، وصيغة الجمع في قوله تعالى:(والراسخون) دليل على أن هنالك مجموعة تتصف بهذه الميزة، فأوصياء النبي يعلمونه كلّه وهم أهل البيت الذين ما زالوا بصحبة القرآن يدورون معه حيث ما دار.. وإنه لمن البديهي أن الكلمات والألفاظ واللغة بشكل عام ليست كافية للتأويل، إذ لو كان كذلك لكان يناله الكل، وإذا ما كان للاستثناء والتخصيص وجه، فتبين أن الراسخين هم النبي وأهل بيته الذين أخذوه عن النبي كما أخذه الرسول عن الله عز و جل.

قال أمير المؤمنين : (تالله لقد علّمت تبليغ الرسالات، وإتمام العدات وتمام الكلمات، وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الأمر، ألا وإنَّ شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة، من أخذ بـها لحق وغنم, ومن وقف عنها ضل وندم).

ثم إنّ تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه وغير ذلك دليل على أنّ الله جعل النبي وأهل بيته أئمّة يهدون بأمره لتعليم كلام الله المجيد. فلو لم يجعل ذلك لكان إخلالا في الحكمة فيكون القرآن الذي هو وسيلة للهداية، سببا للتحيّر والضلالة. يقول الله تعالى: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيرا), فلا نستطيع أن نقول "حسبنا كتاب الله" و نقف عند ذلك.

فالقرآن يصرّح بأنّ مهمة النبي هي تعليم الكتاب وتبيينه لهم ولذلك كانت السّنّة والأحاديث هي التي تفسّر وتشرح وتوضّح وتخصّص وتقيّد وقد وردت من النبي في عهده، ومن أهل بيته من بعده لأنّهم ورثته وأوصيائه. فمن دون النبي وأهل بيته، من الذي يجرؤ أن يفسر قوله تعالى: (كهيعص) أو: (ألم) أو: (ق) أو غيرها من المقطعات والمتشابـهات من دون الرجوع إلى السنة الشريفة؟ ومن الذي يجرؤ أن يشرح المتشابـهات التي لا تفهم إلاّ بعد إرجاعها إلى المحكمات المعيّنة من قِبل النبي وأهل بيته بالإضافة إلى تفسيرهم وتأويلهم لها؟

هذا وقد ورد عن أهل البيت تفسيرا دقيقا في غاية الرّوعة لحرف (ق) وأنه (جبل محيط بالأرض كإحاطة السوار بالمعصم، وخضرة السماء منه، ولولاه لساخت الأرض بأهلها) الأمر الذي يمكن أن يعني الغلاف الواقي والذي يشير إليه حرف القاف، وهو صيغة الأمر من (وقى)، (يقي)، (قِ) وهو من حيث الحجم كالجبل الذي يضرب به المثل في كبر حجمه، ولولاه لما رأينا انعكاس النور في السماء ولما كانت الحياة ممكنة على الأرض حيث النيازك والشهب تتساقط علينا بالألوف.

وبالمقارنة بين ما ورد من تفسير أهل البيت للقرآن وما ورد من غيرهم، نكتشف أن منبع علمهم من علم الله الذي لا ينفد. ولا يمكن لأحد أن يفسر القرآن بشكل صحيح دون الأخذ عنهم. ففي سبيل  المثال لو أخذنا بظاهر بعض الآيات كقوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) فأول ما يتبادر إلى أذهاننا القاصرة هو أنّ لله يد كما أن لنا يد! ولذلك قال البعض بالتجسيم، فصاروا بذلك قد حدّوا الله وعدّوه وشبّهوه بخلقه وتوهّموه وعبدوا ما تصوّرته أوهامهم جهلا بغير علم فتعالى الله عمّا يصفون علوا كبيرا.

ولكننا إذا أرجعنا هذه الآية المتشابه إلى آية محكمة كقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) علمنا أن الآية السابقة لا تعني اليد كعضو من أعضاء الجسم البشري الناقص القاصر الضعيف بالذات، والله منـزّه عن الجوارح وعن صفات الأجسام. فاليد في الآية التي مرَّ ذكرها القوة ـ كما أشير إلى ذلك في روايات أهل البيت ـ وليس حيث ذهب المشبهة وهذا اصطلاح مستعمل في اللغة ولا ينافي ظاهر الآية مطلقا.

 قال في لسان العرب: "العرب تقول: (ما لي به يد) أي مالي به قوّة. واليد الغنى والقدرة". وكما هو واضح فإن كلام العرب وحي وإشارات واستعارات ومجازات، ولهذا كانت اللغة العربية في المرتبة العليا من الفصاحة والبلاغة، وكلام الله أفصح الكلام. ولا يمكن فك هذه الرموز والإشارات إلاّ لمن أوتي علم الكتاب وجعل عدلا له، ولابدّ من الرجوع إلى قرناء القرآن ـ أي أهل بيت النبوّة ـ لكي يتبيّن مقصود الآية الكريمة وترفع الشبهة الواردة.

وكذا في كثير من الآيات الأخرى حيث لا تصل عقولنا القاصرة إلى معنى واضحا ومحكما إلاّ بعد الرجوع إلى العترة الطاهرة، ونورد هنا مثالا آخرا للتوضيح:

سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم، فقال له: أليس الله حكيما؟

قال: بلى هو أحكم الحاكمين.

قال: فأخبرني عن قول الله عز و جل: (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة). أليس هذا فرض؟

قال بلى.

قال: فأخبرني عن قوله عز و جل : (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) أي حكيم يتكلّم بهذا؟

فلم يكن عنده جواب، فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله ـ الإمام الصادق ـ فقال: يا هشام، في غير وقت حج  ولا عمره.

قال: نعم جعلت فداك لأمر أهمّني، إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء.

قال: وما هي؟

فاخبره بالقصة فقال له أبو عبد الله : أمّا قوله عز و جل (أنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) يعني في النفقة وأمّا قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) يعني في المودّة.

قال: فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب واخبره، قال: والله ما هذا من عندك. (فبهت الذي كفر).

فمن دون شرح الإمام وتبيينه لما خطر هذا المعنى على بال بشر، فقد قال الإمام الحسن العسكري لفيلسوف العراق في زمانه؛ إسحاق الكندي الذي كان يكتب كتابا في تناقضات القرآن: (فما يدريك لعله قد أراد ـ الله ـ غير الذي ذهبت أنت إليه، فتكون واضعا لغير معانيه).

 وحدهم من ادّعوا العلم بالقرآن ولم يقهرهم أحد بل لم يقهر أحد أصحابهم وتلامذتهم فكيف بهم . وكان أمير المؤمنين يقول حتى آخر ساعات حياته الشريفة: (سلوني قبل أن تفقدوني)، و(سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم به واسألوني عن كتاب الله)، وكان بعض الأئمة يقولون: (إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب الله)، ولم يجرؤ أحد أن يقول كما قالوا وأن يبين أحكام الله عن علم ويقين من كتاب الله مثلهم.

Text Box:  

 

قال الإمام الحسين : (نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، إن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز و جل: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول( وقال: )ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان إلاّ قليلا).

 

فطريق العلم بتأويل الكتاب ليس إلاّ بالتعليم من رسول الله وأهل بيته المعصومين الراسخين في العلم. وعلم التأويل مختص بالله تعالى وبرسوله ومن تعلّم منه تعليما وافيا جامعا لجميع جوانب علوم القرآن وشعبه وراميه، لا من سمع منه شيئا وغابت عنه أشياء. فلا يفهم وجوه القرآن ومغازيه ومعانيه وما هو المراد منه إلاّ النبي بتعليم إلهي وأوصيائه بتعليم نبوي وعامة الناس بمقدار ما تعلموه منهم.

قال الله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)[4]. فقد قرن الله تعالى شهادته على حقّانية النبي الأكرم بشهادة (من عنده علم الكتاب) وهم أهل البيت لأنّهم الذين لا يفترقون عن القرآن ولا يفترق عنهم الكتاب كما مر.

عن منصور ابن الحازم قال: قلت لأبي عبد الله : إن الله أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون بالله. قال : صدقت. قلت: إنّ من عرف أن له ربّا، فينبغي أن يعرف أن لذلك الربّ رضا وسخطا، وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلاّ بوحيٍ أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرُّسل فإذا لقيهم عرف أنهم الحجّة وأنّ لهم الطاعة المفترضة.

وقلت للناس: تعلمون أن رسول الله كان هو الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلى. قلت: فحين مضى رسول الله من كان الحجّة على خلقه؟ فقالوا: القرآن. فنضرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به، حتّى يغلب الرجال بخصومته. فعرفت أن القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيّم ـ أي من يقوم بأمر القرآن ويعرف ظاهره وباطنه ومجمله ومؤوله ومحكمه ومتشابههِ وناسخه ومنسوخه بوحي إلهي أو بإلهام ربّاني أو بتعليم نبوي ـ، فما قال فيه من شيء كان حقّا، فقلت لهم: من قيّم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وفلان يعلم، وفلان يعلم. قلت: كلّه؟ قالوا: لا. فلم أجد أحدا يقال أنه يعرف ذلك كلّه إلاّ عليا ، وإذا كان الشيء بين القوم فقال هذا: لا ادري، وقال هذا: لا أدري..، وقال هذا: لا أدري..، قال هذا ـ أي علي بن أبي طالب ـ: أنا أدري، فأشهد أن عليّا كان قيّم القرآن، وكانت طاعته مفترضة وكان الحجّة على الناس بعد رسول الله ، وأن ما قال في القرآن فهو حقّ. فقال : رحمك الله.

فيتبين من خلال التأمل في حديث الثقلين الملازمة التامة بين القرآن وأهل البيت وعدم الإنفكاك، وأنه كل ما يتصف به القرآن من صفات كمالية فهي بذاتها في أهل البيت لأن ذلك مقتضى عدم الافتراق. فأهل البيت نفس القرآن في مقام التطبيق والتأويل و(هم القرآن الناطق، والثقل الصادق، لأن القرآن لا ينطق بلسان، ولابد له من ترجمان)[5]. قال أمير المؤمنين : (هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق)[6] ولله در القائل:

سـاووا كتـاب الله إلاّ أنه

 

هو صامت وهم الكتاب الناطق

 

فقد بذل أمير المؤمنين كل ما بوسعه من أجل النبي والقرآن في عصر التنزيل، وصبر على الظلم بشتى أنواعه حفاظا على القرآن والإسلام في عصر الخلفاء، ثم جاهد العدوان والاضطهاد من أجل التأويل والتطبيق الصحيحين، كما صرّح النبي بذلك في حديثه المشهور: (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنـزيله وهو علي بن أبي طالب)[7]. وقال أيضا: (أيها الناس، إني فرطكم وأنتم واردون عليّ الحوض، ألا وإني سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يلقياني، وسألت ربي ذلك فأعطانيه، ألا وإني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتفرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، أيها الناس، لا ألفينكم بعدي ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار، ألا وان علي بن أبي طالب أخي ووصيي، يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله)[8].

وقد أمر النبي جميع الناس بأن يجروا العترة في إجلالها وإعظامها والانقياد لها والطاعة لأوامرها مجرى القرآن الكريم الذي يدل على أهل البيت بآياته وهم أيضا يدلون بدورهم على القرآن ببيانهم وتفسيرهم وتأويلهم وتطبيقهم له والمحافظة عليه من الضياع والتحريف متنا وتأويلا.

وخلاصة الكلام أن للقرآن ظاهر وباطن؛ ظاهره دعوة عامة لكل أصناف الناس، يشترك فيها العالم والجاهل، وهو بذلك شرعة لكل وارد، ينال كل منه حسب استيعابه ولياقته الناشئة من طلبه وتوّسله.

أما باطن القرآن فيمثل المرتبة العليا من المعارف الإلهية والعلوم الربّانية التي اختص بـها نبي الهدى والخواص من أهل بيته الذين توارثوه عنه صالح بعد صالح وصادق بعد صادق، وما ضاع عنهم شيء ولم تسقط عنهم ألف ولا واو ولا يختلف آخرهم عن أولهم، فقد نزل الوحي في بيتهم، وأهل البيت أدرى وأعرف بما في البيت من غيرهم. ومن ادّعى علم القرآن جميعه بكلّ شعبه وأقسامه وبطونه، فإنما هو مفتر كاذب أو جاهل خابط، وكلا الأمرين يسقطان كونه عالم بالقرآن أصلا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن من علم ظاهر القرآن دون باطنه، فذلك لا يؤهله لمقام الفقاهة والقضاء والإفتاء.. لأنه قد يكون ملمّا ببعض الأصول العامة من المسائل الدينية، لكنه يفتقر العلم بتقييد تلك الأمور وتخصيصها ولطائف مفرداتها التي يجب الرجوع فيها إلى إمام معصوم. وإلاّ، فلن يكون الشخص واجدا لظرائف العلوم الإلهية وتفصيلها في مختلف الأبواب الفقهية والأصولية فكيف بالمعارف الإلهية كالمبدأ والمعاد وصفات الله وعلمه وقدرته وغيرها من المسائل التي هي في غاية الدّقة والحساسيّة وهي لذلك محل اختلاف وخبط عميقين. وقد أدّى هذا الاختلاف إلى بروز مدارس ومذاهب شتى، تدعوا كل واحدة منها إلى انظمام الناس إليها على أنها تمثل الدين الإسلامي الحنيف رغم تضادها مع بعضها البعض.

فلابد من الرجوع إلى الرسول الأكرم وأهل بيته ـ قرناء القرآن ـ والتعلم منهم لأنهم الراسخون في العلم والثقل الموازي للقرآن الذين اختُّصوا بمعرفة بطونه كلها لعدم افتراقهم منه أبدا.

 


 

[1]- سورة الطلاق: الآيتان 10 ـ 11.

[2]- سورة الجمعة: الآية 20.

[3]- سورة النحل: الآية 44.

[4]- سورة الرعد: الآية 43.

[5]- الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي: ص150.

[6]- وسائل الشيعة: ج18 ص20.

[7]- مسند أحمد بن حنبل ـ دار إحياء التراث العربي ـ: ج3 ص33 ـ 82، مستدرك الحاكم: ج3 ص123.

[8]- وردت قطع من الحديث في الطبقات الكبرى: ج2 ص194، تأريخ اليعقوبي: ج2 ص111 ـ 112، صحيح مسلم: ج4 ص1873، مسند أبي يعلى: ج2 ص297 ـ 303، مستدرك الحاكم: ج3 ص109، مصباح الأنوار: ص285؛ ونقله العلامة المجلسي في البحار: ج22 ص465 ح19.

 
 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.