كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

 

 

إنّ سند حديث الثقلين أصحّ وأوضح من أن يناقش، ولذا فقد ارتكزت أبحاث الكتاب في محتوى الحديث ودلالاته، لا في سنده و رجاله. لكنني أوردت هذا الفصل لمن يريد التتبع في سند الحديث بشكل موجز وعبر المصادر الأولية لدى السنّة. أما في المصادر الشيعية، فقد ورد الحديث بشكل مكثف وواسع و هو من المسلمات التي لا يشك أحد فيها. ولقد تواتر بل فاق حدّ التواتر لدى الفريقين، وهو مروي عن عدد كبير من الصحابة والتابعين، وذلك لأن النبي ذكره مرارا وتكرارا، وقد أورده أرباب الرواية في صحاحهم  وفي الكثير من الكتب المعتبرة عند الشيعة والسنة على حد سواء.

ولا يمكن مقارنة سند هذا الحديث ومعانيه، وما يؤيده من أدلة وبراهين من الكتاب والسنّة والعقل، مع حديث "كتاب الله وسنّة نبيّه" الذي لا سند له يمكن الاعتماد عليه رغم شيوعه بين العوام من الناس، بيد أنه لم يذكر في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم ولا أي واحد من الصحاح الستة! فرب مشهور لا أصل له!. فلم يُروَ الحديث هذا عن أعلام السنة، سوى القليل كابن حجر في الصواعق، وهو خبر مرسل دون سند، ومالك بن أنس حيث نقله في الموطأ، وهو خبر مرفوع لا سند له.. فقد قال راوي الموطأ: (حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله قال: ... الحديث)[1] فقد رفعه من دون ذكر سند.. ولسنا في صدد البحث في هذا الحديث، ففي حديث الثقلين؛ (كتاب الله وعترتي) ما يغنينا عن الغور في ما سواه.

و واضح أن السبب في تأليف هذا الحديث هو تعرض حديث الثقلين لما تعرضت له باقي الأحاديث المروية في فضائل أهل البيت من تحريف و تزوير من قِبل من باع آخرته بدنيا غيره من الرواة و المحدّثين، الذين عمدوا إلى أحاديث رسول الله فأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم و لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون..

ولا إشكال في اختلاف ألفاظ حديث الثقلين لأن ذلك عائد إلى تكرار ذكر الحديث من قبل النبي في عدة أماكن ومواقف وكذلك وسعة دائرة الرواة، ولا يوجد أي تعارض بين مفاد هذه الأحاديث مطلقا.

قال سماحة العلامة السيد شرف الدينq في كتاب المراجعات[2] بعد الاستشهاد بحديث الثقلين: (والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة، وطرقها عن بضع وعشرين صحابيا متضافرة، وقد صدع بـها رسول الله في مواقف له شتى: تارة يوم غدير خم كما سمعت، وتارة يوم عرفة في حجة الوداع، وتارة بعد انصرافه من الطائف، ومرة على منبره في المدينة، وأخرى في حجرته المباركة في مرضه، والحجرة غاصة بأصحابه إذ قال: (أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز و جل، وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض) الحديث. وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور، حتى قال ابن حجر: (ثم اعلم إن لحديث التمسك بهما طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا..) وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفى أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفى أخرى أنه قال ذلك لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مر ولا تنافى، إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة..)[3].

أمّا عدد رواة الحديث من الصحابة فهو 38 صحابي منهم:

(1) علي بن أبي طالب .

(2) الحسن بن علي بن أبي طالب .

(3) الحسين بن علي بن أبي طالب .

(4) جابر بن عبد الله

(5) خزيمة بن ثابت

(6) زيد بن ثابت

(7) سهيل بن سعد

(8) ضميرة الأسدي

(9) عامر بن أبي ليلى الغفاري

(10) عبد الرحمن بن عوف

(11) عبد الله بن عباس

(12) عبد الله بن عمر

(13) عدي بن حاتم

(14) عقبة بن عامر

(15) زيد بن أرقم

(16) أبو ذر الغفاري

(17) أبو رافع

(18) أبو ضريح الخزاعي

(19) أبو قدامة الأنصاري

(20) أبو هريرة

(21) أبو الهيثم بن التيهان

(22) أم سلمة

(23) أم هاني بنت أبي طالب

(24) أبو سعيد الخدري

(25) حذيفة بن أسيد وغيرهم

 

 

وقد تواتر هذا النقل أيضاً في عهد التابعين، وإليك بعض من نقل منهم حديث (كتاب الله وعترتي):

(1) زين العابدين علي بن الحسين o

(2) عطية بن سعيد العوفي 

(3) حنش بن المعتمر بن علي بن أبي طالب  

(4) الحارث الهمداني 

(5) حبي بن أبي ثابت 

(6) علي بن ربيعة 

(7) القاسم بن حسان 

(8) حصين بن سيرة 

(9) عمرو بن مسلم

(10) أبو الضحى مسلم بن صبيح 

(11) يحيى بن جعدة 

(12) الأصبغ بن نباته 

(13) عبد الله بن أبي رافع 

(14) المطلب بن عبد الله بن حنطب 

(15) عبد الرحمن بن أبي سعيد 

(16) عمر بن علي بن أبي طالب  

(17) فاطمة بيت علي بن أبي طالب

(18) الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب 

(19) أبو الطفيل عامر بن واثلة  وغيرهم.

وقد نقل الحديث أكثر من 323 شخصا من أعلام الأمة وحفّاظ الحديث ومشاهير الطائفة بعد الصحابة والتابعين، وقد ذكرهم بالتفصيل العلاّمة المحدِّث الخبير الشيخ مير حامد حسين الهندي في كتابه "عبقات الأنوار" الذي يقع في عشرات المجلدات، وهو بحق سفر عظيم لم ير مثله، وقد جمع المؤلف q مئات المصادر التي تناقلت وروت حديث الثقلين من كتب أهل السنة، وقد تم حتى الآن تلخيص بعض مجلداته الضخمة، كما يقع ملخص كتاب أسناد حديث الثقلين عند السنّة في أكثر من ألف صفحة!

1ـ وقد ورد الخبر في كتب الحديث المعتبرة عند أهل السنة منها صحيح مسلم ـ ج4 ص123 دار المعارف ـ بيروت لبنان، (الحديث رقم 4425 ـ موسوعة الحديث الشريف ـ الإصدار الثاني). وذلك بثلاث طرق ترجع إلى حيّان بن سعيد التميمي الذي وثقه الذهبي في تـهذيبه وكذلك اليافعي في مرآة الجنات[4]، والعسقلاني في تقريب التهذيب[5].

كما لا يخفى أن كون الحديث مرويا في صحيح مسلم حاكم على صحته عند أهل السنة، لإجماعهم على تصحيح كلّ رواياته، كما صرح بذلك مسلم نفسه والنووي وغيره ممن لا يسع المقام لإيرادهم ولبداهة المدّعى.

2ـ رواية الحديث عند الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري في مستدركه على البخاري، ومسلم: ج3 ص27 باب معرفة الصحابة، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان. وذلك بأربعة طرق وممّا يدلّ على صحة الحديث وتواتره أن الحاكم أخرجه وحكم بصحته على شرط البخاري ومسلم.

3ـ مسند أحمد بن حنبل وذلك بتسعة طرق مختلفة في ج3 ص17 وص26 وص14 وغير ذلك (كما سيأتي في باب نصوص الأحاديث).

4ـ سنن الترمذي ج5 ص663ـ662 دار إحياء التراث العربي بيروت ـ لبنان. وقد أورد الحديث بطريقين مختلفين، أحدهما عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري t والآخر عن زيد بن أرقم.

5ـ كما أورد هذا الحديث الشيخ علاء الدين علي المتّقي بن حسام الدين الهندي المتوفى سنة 975ه‍ في كتابه "كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال" وذلك في ج1 ب2، باب الاعتصام بالكتاب والسنة ص172 طبعة مؤسّسة الرسالة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الخامسة، سنة 1985م وهو الحديث رقم810 و871 و872 و873.

ولو استرسلنا في هذا الباب لإيراد الكتب التي روته وتوثيق رواته لطال بنا المقام ولاحتاج موسوعة لوحدها. وللتفصيل راجع كتاب إحقاق الحق للشيخ أسد الله التستري ج9 ص311، وكذلك موسوعة عبقات الأنوار ـ كتاب حديث الثقلين ـ.

وسوف نذكر هنا  مجموعة من الحفاظ والعلماء الذين رووا الحديث كنموذج لا للحصر.

(1) الحافظ الطبراني المتوفى سنة 340 في (المعجم الصغير).

(2) الشيخ محبّ الدين الطبري (في ذخائر العقبى).

(3) الشيخ إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الحمويني في (فرائد السمطين).

(4) ابن سعد في طبقاته الكبرى.

(5) الحافظ نور الدين الهيثمي في (مجمع الزوائد).

(6) الحافظ السيوطي في (إحياء الميت).

(7) الحافظ العسقلاني في (المواهب اللدنية).

(8) الشيخ النبـهاني في (الأنوار المحمّدية).

(9) الشيخ الدارمي في سننه.

(10) الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في (السنن الكبرى).

(11) الشيخ البغوي في (مصابيح السنة).

(12) الحافظ أبو الفداء بن كثير الدمشقي في (تفسير القرآن).

(13) وفي (جامع الأصول) لابن الأثير.

(14) أحمد بن حجر الهيثمي المكّي في كتابه (الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة) الطبعة الثانية سنة 1954م مكتبة القاهرة ـ شركة الطباعة الفنية المتحدة ـ.

وفي رواية عن الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلم به النبي : (اخلفوني في أهل بيتي). وفي أخرى عند الطبراني وأبي الشيخ: (أن لله U ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته. قلت ما هن؟ قال حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي).

وفي رواية للبخاري عن أبي بكر من قوله (يا أيها الناس أرغب محمد  في أهل بيته؟!) أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم.

وأخرج ابن سعد الملاّ في سيرته: أنّه قال: (أستوصي بأهل بيتي خيرا فإنّي أخاصمكم عنهم غدا ومن أكنَّ خصمه ومن أخصمه دخل النار)، وأنّه قال: (من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا).

وروي أيضا (أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)[6]، والثاني حديث: (في كلّ خلف في أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا إن أئمتكم وفدكم إلى الله عز و جل فانظروا من توفدون..) ثمّ قال: سمى رسول الله القرآن وعترته ـ وهي بالمثناة الفوقية، الأهل والنسل ورهط الأدنون ـ ثقلين، لأنّ الثقل كلّ نفيس خطير مصون وهذان كذلك، إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العليا والأحكام الشرعية، ولذا حثّ رسول الله على الاقتداء والتمسك بـهم والتعلم منهم وقال: (الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت).

وقيل: سمّيا ثقلين لوجوب رعاية حقوقهما، ثمّ الذين وقع الحث عليهم منهم إنّما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض. ويؤيدهم الخبر السابق (ولا تعلّموهم فانهم أعلم منكم)، فتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا[7].

فيا عجبا من قوله هذا وهو من ألدّ الخصام لأتباع أهل البيت وهو الذي يصنفهم من الفرق الضالّة الكافرة ويعتبرهم من الزنادقة! هذا وهو يدّعي حبّ أهل البيت ووجوب الانقطاع في أخذ الدين عنهم ويعترف بلزوم التمسّك بـهم وهو الذي يعقَّهم بالأخذ من أعدائهم وسبّ شيعتهم ومحبيهم الموالين لهم.

أفلا ينبغي لمن علم بعلو مقام أهل البيت ورفعة منزلتهم لدى الله عز و جل أن يتّخذ منهم قدوة وأسوة ونبراساً ينير به الطريق؟!

 


 

[1]- موطأ مالك: ج2 ص46.

[2]- ص51 في المراجعة رقم 8.

[3]- انتهى ما أردنا نقله من كتاب المراجعات. و تجد ما نقله السيد q من كلام ابن حجر في ص 75 و ص89 من صواعقه.

[4]- ج1 ص301، نقلاً عن كتاب "الحقيقة الضائعة".

[5]- ج2 ص348.

[6]- ربما يكون إشارة إلى قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودة في القربى) وقوله تعالى: (لا أسألكم عليه أجرا إلاّ من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) والجمع بينهما.

[7]- الصواعق المحرقة لابن حجر.


 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.