كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

الدلالة الثامنة:

 

يدل هذا الحديث النبوي بوضوح على أن الأرض لن تخلو من العترة الهادية بصحبة قرينها القرآن الكريم إلى يوم القيامة، وذلك لقوله : (وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..) فلو خلت الأرض من أحدهما لافترقا من بعضهما وهذا يناقض قول الصادق المصدّق .

وكذلك لأنّ صيانة الخلق من الضلالة والانحراف إنّما هي باتّباع مدرسة أهل البيت والأخذ عنهم إلى جنب القرآن، فما دام الخلق مأمورين بأداء الواجبات وإتيان التكاليف، ينبغي أن يبقى الثقلان ـ القرآن والعترة ـ موجودين على وجه الأرض وذلك لإتمام الحجة. فالعترة ملازمة للقرآن والقرآن ملازم للعترة ومادام القرآن موجودا فالعترة موجودة أيضا إلى يوم القيامة. وقد اعترف بهذا المعنى ابن حجر في الصواعق[1] وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك.

أما قول رسول الله : (حتى يردا علي الحوض) لا يعني إنّهما سيفترقان عندئذٍ، بل هذا يفيد استحالة افتراقهما أبدا. فكما يقول أحدنا على سبيل المثال: (لن أعفو عن فلان حتى يوم القيامة..) فهو لا يعني أنّه سيعفو عنه في يوم القيامة، لأن ذلك اليوم هو يوم تقصّي الحقوق واسترجاع الأمانات، بل هو يوم الانتقام والأخذ بالثأر.. أوكأن يقول: (إنني لن أفعل هذا الشيء حتى أموت..) فلا يعني أنني إن متُّ سأفعله، بل سأكون في موتي عاجز عن فعله ولو أردت ذلك.

وهذه الأمثلة كلها تفيد الاستحالة المطلقة. فليس فقط أن أهل البيت لن يفترقوا عن القرآن حتى في يوم القيامة ولن يتخلوا عنه فحسب، بل ستتجلى حقيقتهما وتلازمهما معا لأهل العالم بصورة واضحة، وسينتقم رسول الله ممن ضيّع حقوقهما. ففي الحديث عن رسول الله أنه قال:

(يا قوم إني مخلف فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي وأرومتي ومزاج مائي وثمرة فؤادي ومهجتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ألا وإني لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربي أن أسألكم عنه؛ أسألكم عن المودة في القربى واحذروا أن تلقوني غدا على الحوض  وقد آذيتم عترتي وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم، ألا إنه سيرد عليّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة: الأولى راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة، فتقف عليّ فأقول لهم: من أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب. فأقول لهم: أنا احمد نبي العرب والعجم. فيقولون: نحن من أمتك. فأقول: كيف خلفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعناه، وأما العترة فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض! فلما أسمع ذلك منهم أعرض عنهم وجهي فيصدرون عطاشى مسودة وجوههم. ثم ترد عليّ راية أخرى أشد سوادا من الأولى، فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في الثقلين كتاب الله وعترتي؟ فيقولون: أما الأكبر فخالفناه وأما الأصغر فمزقناهم كل ممزق! فأقول: إليكم عني. فيصدرون عطاشى مسودة وجوههم. ثم ترد على راية تلمع وجوههم نورا فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى من أمة محمد المصطفى ونحن بقية أهل الحق، حملنا كتاب ربنا وحلّلنا حلاله وحرّمنا حرامه وأحببنا ذريّة نبينا محمد ونصرناهم من كل ما نصرنا به أنفسنا وقاتلنا معهم من ناوأهم. فأقول لهم: أبشروا فأنا نبيكم محمد ولقد كنتم في الدنيا كما قلتم. ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون مروييّن مستبشرين، ثم يدخلون الجنة خالدين فيها أبد الآبدين)[2].

فلابد من استمرار وجود العترة إلى جنب القرآن لكي يبينوا علومه للناس. فقد روى الشيخ الصدوق عن رسول الله أنه قال: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهما الخليفتان من بعدي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) ثم قال الصدوق: وتلقوا هذا الحديث بالقبول فوجب أن الكتاب لا يزال معه من العترة من يعرف التنزيل والتأويل علما يقينا يخبر عن مراد الله عز و جل كما كان رسول الله يخبر عن المراد ولا يكون معرفته بتأويل الكتاب استنباطا ولا استخراجا[3].

 

و إذا قيل أن هذا الحديث يعني أن القرآن و العترة لن يفترقا في المعنى و الحقيقة، و أن العترة حتى لو فارقته في هذه الدنيا فإنها لن تفارق القرآن في الآخرة، فلا يعني ذلك وجوب وجود العترة أو من يمثلها في الدنيا.. أقول أن هذا مردود بدليل أن النبي قال: "إني تارك.." فهذا يعني أنه سيفارق القرآن بوفاته.. فعلى هذا نبني أن الموت مفرّق بينهما لو ماتت العترة. فلا بد من وجود إمام حي مع وجود القرآن..

على هذا وغيره من الأخبار الصحيحة عن النبي الأكرم ، كان الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر الذي هو من ولد فاطمة الزهراء عز و جل ـ كما صرحت بذلك الأحاديث المتواترة في مواقع شتى ـ وهو من الجيل الحادي عشر بعد النبي وقد طال عمره الشريف كما طال عمر نبي الله نوح بصريح القرآن، وقد أعدّه الله لقطع دابر الظلمة ولكي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت ظلما وجورا، وقد حظا جمهور كبير من المؤمنين بلقياه في زمن ظهوره وغيبته، وقد وردت من ناحيته المقدسة العديد من التواقيع والرسائل والردود، وهو حيّ يرزق بلحمه وجلده وعظمه، لكنه مخفي عن الأنظار لحكمة اقتضاها علم الله عزّ شأنه، ولا منافاة بين غيبته وبين إمامته فقد ردّ رسول الله على هذه الشبهة بقولـه: "أما وجه الانتفاع به في غيبته كوجه الانتفاع بالشمس إذا غيّبـها السحاب".

فهو المقصود في زماننا هذا بالحديث الفائض عن الرسول: (من مات لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)[4].

ويعني ذلك أن من لم يعرفه يموت ميتة كفر ونفاق وضلال كما لو مات في زمان الجاهلية الأولى! وهذا الحديث من الأخبار الصحيحة التي تؤكد وجود العترة في كل زمان، فلم يقيد النبي كلامه بزمان أو مكان معيّن بل أطلقه ليشمل كل العصور والأزمان، والحديث يدل على أن لكل زمان إمام واجب الطاعة والموالاة منصوص عليه سلفا من قبل الله على لسان نبيه.

والخلاصة أنّه لابدّ من وجود ولو واحد من أهل البيت i في كل زمان إلى قيام الساعة لا يخالف قوله ولا فعله القرآن حتّى لا يفترق عنه ومعنى أن لا يفترق قولا وفعلا عن القرآن أنّه معصوم قولا وفعلا يجب اتّباعه لأنّه أمان من الضلال.

وقد اتفق المسلمون قاطبة على صحة الأحاديث التي تبيّن أن الموت بدون بيعة لإمام، ميتة جاهلية.

وليس بوسع أحد التشكيك بصدور هذا المضمون عن النبي ، وقد بلغت هذه الأحاديث حدّا من الشهرة والاعتبار، أضحى من المتعذر معه ـ حتّى على أئمة الجور ـ إنكارها وجحودها، ولذا لجئوا إلى استغلالها عن طريق تحريفها وتزييفها أو مجرد تجاهلها والإعراض عنها.

يقول العلاّمة الأميني رحمه الله بعد نقل هذه الأحاديث عن صحاح أهل السنّة ومساندهم في موسوعة الغدير:

"هذه حقيقة راهنة أثبتتها الصحاح والمساند، فلا ندحة عن البخوخ لمفادها، ولا يتمّ إسلام مسلم إلاّ بالنزول لمؤدّاها، ولم يختلف في ذلك اثنان، ولا أنّ أحدا خالجه في ذلك شكّ، وهذا التعبير ينم عن سوء عاقبة من يموت بلا إمام وانه في منأى عن أي نجاح وفلاح، فإنّ الميتة الجاهلية إنّما هي شرّ ميتة، ميتة كفر وإلحاد"[5].

وهذا الخبر صحيح يشهد له إجماع أهل الآثار ويقوي معناه صريح القرآن في آي كثيرة؛ منها قولـه جل اسمه: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فـأولئك يقرؤون كتابـهم ولا يظلمون فتيلا). وهذه الآية دالة على أن لكل مجموعة من الناس إمام بلا استثناء أحد من العالمين، وقوله تعالى "كل" دليل على ذلك.

فالمقصود من ضرورة معرفة إمام كلّ عصر هو أن الإمامة لا تنقطع أبدا، وأنّ الفرد إن مات وهولا يعرف إمامه وقائده فهو ليس بمسلم حقيقي، بل أنه كافر كمن مات في زمان الجاهلية لا يعرف ربه وخالقه ويعبد الأصنام من دون الله، وأنّ عصر العلم والهداية الذي بزغت شمسه ببعثة النبي لا يمكنه الاستمرار إلاّ بمعرفة المسلمين ـ في أيّ عصر كانوا ـ لإمامهم وإقتدائهم به، وذلك لكي يكون حجة عليهم وهاديا لهم فيما جهلوا وصيانة لهم من السقوط في أوحال الجاهلية السابقة لعصر الإسلام. وبما أن البيعة لا تتم إلاّ مع المعرفة والتسليم والإقتداء المطلق، فلا يمكن لأحد أن يكتفي بالاعتراف بوجود الإمام، بل يجب عليه البحث والتنقيب من أجل معرفة ذلك الإمام حق معرفته ومن ثمَّ موالاته ومشايعته في كافة الأمور الدنيوية والأخروية.

فالإمامة هي الضامن والكفيل لاستمرار الإسلام الأصيل، ومع فقدان هذا الضمان فإنّ المجتمع الإسلامي سيؤوب إلى ما كان عليه من جاهلية قبل الإسلام، وهذا ما نشاهده اليوم حيث اندثر الدين ولم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلاّ رسمه.

إنّ أول سؤال يبادر إلى الذهن حين سماع هذا الحديث هو: من الإمام الذي تجب معرفته ومبايعته على كل مسلم في كل زمان ومكان؟ وإمامة أيّ إمام تضمن استمرار الإسلام المحمديّ الأصيل؟ وفقدان الأمة لأيّة إمامة هو تراجع إلى زمان الجاهلية العمياء وزمان الكفر والإلحاد وعبادة الأوثان؟!

فهل يمكننا أن نظنّ بأنّ مقصود النبي هو وجوب معرفة واتّباع أيّ شخص أخذ بزمام الأمور واستولى على كرسيّ الرئاسة في المجتمع الإسلامي؟! وأنّ من لم يعرف إماما كهذا ولم يبايعه يموت ميتة جاهلية، دون توجّه إلى إمكان اتّصاف هذا "الإمام" بالظلم، فيغدو من أئمّة النار حسب التعبير القرآني؟!

وبطبيعة الحال فقد حاول أئمّة الجور على طول التاريخ الإسلامي أن يستندوا إلى هذا الحديث لتثبيت أركان حكومتهم وتبرير وجوب إطاعة الناس لهم وذلك بتقمّص هذا المقام الإلهي الرفيع، مقام الإمامة العظمى وقيادة الأمة الإسلامية نحو رضاية رب العزة والجلال. أو بعبارة أخرى، أن يهدموا الإسلام باسم الإسلام. وهنا تكمن الطامّة الكبرى حيث يقتدي عوام الناس بمن غصب الإمامة وهم مع ذلك يضنون أنهم يحسنون صنعا. ومن الطبيعي كذلك أن يعمد وعّاظ السلاطين ـ بنفس تلك الدواعي ـ إلى تأويل كلام رسول الله لينطبق على إمامة أئمّة الجور وكل من حصل على السيف والصولجان، ليكونوا بذلك ممن باع آخرته بدنيا غيره.

ثم لا يمكن أبدا أن نتصوّر أنّ عبد الله بن عمر ـ وكما جاء في شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة ـ يمتنع عن مبايعة الإمام علي لنقص درايته أو لسوء استنباطه، ثمّ يهرع ليلا وتمسّكا بحديث (من مات بغير إمام) الذي يعدّ هو من رواته إلى الحجّاج بن يوسف الثقفي لمبايعة خليفة زمانه عبد الملك بن مروان، لأنّه يخشى أن يبيت ليلة بدون إمام!!

يقول ابن أبي الحديد: إنّ عبد الله بن عمر امتنع من بيعة علي و طرق على الحجّاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك كي لا يبيت تلك الليلة بلا إمام، لأنّه روى عن النبي أنّه قال: من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية، وحتّى بلغ من احتقار الحجّاج له واسترذاله حاله أن أخرج رجله من الفراش، فقال: اصفق بيدك عليها[6].

وقد روى عبد الله بن عمر هذا الحديث[7] للثائرين في المدينة ليدخلوا في طاعة يزيد واضعا يزيد كقدوة ومصداق لهذا الحديث! وبطبيعة الحال، فإنّ من لا يبايع أمير المؤمنين عليا لأنّه لا يعدّه إماما مؤهلا للأخذ بزمام الأمة وإرشادها إلى الصواب ـ مع كل ما ورد في حقه وحق باقي أهل بيت العصمة والطهارة من مناقب ـ لابدّ أن يرى عبد الملك بن مروان إماما، يوجب ترك بيعته الكفر والعودة إلى الجاهلية. ولابدّ كذلك أن يصفق تحت جنح الظلام على رجل عامله السفّاح الحجّاج بن يوسف الثقفي الذي كان يستحسن لعن علي وفاطمة والحسن والحسين على منبر رسول الله ، والذي قلّما رأى التاريخ مثله في وحشيّته وسفكه لدماء المسلمين. هذا وقد آل الأمر بعبد الله بن عمر إلى أن يرى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان مع كلّ ما جنت يداه بحقّ الإسلام وعترة الرسول وقتله سبط رسول الله الإمام الحسين في وقعة الطفّ[8]، واستباحته لمدينة رسول الله حين ثار أهلها عليه وتركه لجنوده أن يغتصبوا عشرة آلاف فتاة عذراء، وكذلك أخذ البيعة منهم على أنهم عبيد له، وكذلك هدمه لبيت الله الحرام والكعبة المشرفة.. رآه مصداقا ل‍ـ"الإمام" في الحديث المذكور وتوجب مخالفته وعدم مبايعته الكفر والارتداد!!

فتأمل أيها القارئ.. أهذا هو من أمر النبي الأكرم بمعرفته ومبايعته؟! أم أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ولم يجد التاريخ لهم مثالب قط؟

ورغم إخفاء الطغاة لمناقبهم بغضاً وحسدا، وإخفاء شيعتهم لها خوفا من القتل والتشريد، ولكن أبى الله إلاّ أن يتم نوره[9].. فهذا معاوية بن أبي سفيان يأمر جلاوزته باستئصال الشيعة فيقول: "انظروا من روى حديثا عن أبي تراب[10] فاحذفوه من الديوان.. خذوهم بالظنة واقتلوهم بالتهمة.. لا والله إلا دفناً دفناً..!"

والخلاصة أننا إذا جمعنا بين الحديث الذي مرَّ ذكره وبين حديث الثقلين ودلالته على وجود العترة في كل زمان، لحصل لنا اليقين بمصداق الإمام وتعريف هوّيته.

لذلك فإن الشيعة الإثني عشرية يقولون بلزوم وجود إمام في كلّ زمان من أهل البيت، يكون معصوماً عن الخطأ والزلل ويجب موالاته ومعرفته، وهم بذلك يعتقدون بإمامة الأئمّة الإثني عشر ابتداءً بأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، وابنيه الحسن والحسين، والسجاد علي بن الحسين، والباقر محمد بن علي، والصادق جعفر بن محمد، والكاظم موسى بن جعفر، والرضا علي بن موسى، والجواد محمد بن علي، والهادي علي بن محمد، والعسكري حسن بن علي، والحجة القائم المنتظر المهدي الغائب i.

وقد صرّحت روايات عديدة بأسماء الأئمّة وعددهم وبعض أحوالهم، نذكر بعضها فيما يلي:

جابر بن سمرة: سمعت رسول الله يقول: لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة. ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلّهم من قريش[11].

مسروق: كنّا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله : كم تملك هذه الأمّة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ، فقال: اثنا عشر، كعدّة نقباء بني إسرائيل[12].

أبو سعيد رفعه عن الباقر : قال رسول الله : من ولدي اثنا عشر نقيبا، نجباء محدّثون مفهّمون، آخرهم القائم بالحقّ، يملأها عدلا كما ملئت جورا[13].

ابن عباس ـ في قوله تعالى (والسّماء ذات البروج) ـ: قال رسول الله : أنا السماء، وأمّا البروج فالأئمّة من أهل بيتي وعترتي، أوّلهم عليّ وآخرهم المهدي، وهم اثنا عشر[14].

الإمام الباقر عن أبيه عن الحسين i: دخلت أنا وأخي على جدّي رسول الله ، فأجلسني على فخذه، وأجلس أخي الحسن على فخذه الأخرى، ثمّ قبّلنا وقال: بأبي أنتما من إمامين صالحين، اختاركما الله منّي، ومن أبيكما وأمّكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمّة، تاسعهم قائمهم،وكلّكم في الفضل والمنزلة عند الله تعالى سواء[15].

فالأحاديث التي مرّت لا تدلّ إلاّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر من أهل البيت . وقد تكرر هذا المضمون في الأحاديث والأخبار مما يجعله في حد التواتر، نكتفي هنا بذكر بعض ما ظفرت عليه من المصادر على العجالة كنماذج لا للحصر:

  • صحيح البخاري: ج6 ص2640 ح6796.

  • صحيح المسلم: ج3 ص6 ح1452 و ج3 ص10 ح1453.

  • سنن الترمذي: ج4 ص501 ح2223.

  • مسند ابن حنبل: ج7 ص430 ح20995، و ج2 ص55 ح3781، و ج7 ص410 ح20869.

  • مسند أبي يعلى: ج5 ص31 ح5009، و ج6 ص473 ح7492.

  • تاريخ واسط: ص98.

  • ينابيع المودّة: ج3 ص290 ح40.

  • إحقاق الحقّ: ج13 ص30.

  • المستدرك على الصحيحين: ص716 ح6589،  و ج4 ص546 ح8529.

  • المعجم الكبير: ج8 ص411 ح3520.

  • أمالي الصدوق: ص255 ح8

  • الخصال:ص470 ح16، و ص473 ح27، وص473 ح30 وغيرها.

 

ومن الأدلّة التي تؤكّد على ضرورة وجود إمام في كلّ زمان هي قوله تعالى: (وإذ قـال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة) ففي هذه الآية دليل على أنّه عز و جل يستعمل هذا المعنى في أرضه إلى يوم القيامة، فإن الله عز و جل لم يخصص جعل الخليفة في زمان معيّن بل أطلقه فلزم أن يكون في كل زمان خليفة لله، فإنّ الأرض لا تخلو من حجة له عليهم وحكمة الله في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مر الأيّام وكرّ الأعوام وذلك أنّه عدل حكيم.

ومن زعم أنّ الخليفة ـ في هذه الآية ـ أراد به النبوّة فقد أخطأ وذلك إنّ الله عز و جل وعد أن يستخلف من هذه الأمّة الفاضلة خلفاء راشدين كما قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً)[16]، ولم يتحقق هذا الوعد في زمن النبي وحتى يومنا هذا حيث الظلم والاضطهاد والخوف والفساد منتشر في شتى بقاع الأرض، ولو كانت قضية الخلافة تعني النبوة أوجب حكم الآية وصيغة الجمع فيها، أن يبعث الله عز و جل نبيّا بعد محمد وما صحّ قوله: (وخاتم النبيّين)[17]، وهذا محال، فثبت إنّ الوعد من الله عز و جل ثابت من غير النبوة وثبت إنّ الخلافة مغايرة للنبوة وقد يكون الخليفة غير نبيّ ولا يكون النبي إلاّ خليفة.

ويصح الاستدلال بهذه الآية على أنّ الخلافة منحصرة بتعيين من الله عز و جل وليس لأحد أن يختار الخليفة إلاّ الله وذلك لقوله تعالى (جاعل) فاختيار الخليفة إنّما يكون جعلا من الله وليس أمرا مفوضا إلى الخلق. وكذلك قوله عز و جل: (وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهنَّ فقال إني جاعلك للناس إماماً) فالله عز و جل هو الذي يجعل الإمام في الناس، وحرف التوكيد (إنّ) دليل على ذلك.

 


 

[1]- الصواعق المحرقة لابن حجر: ص151.

[2]- بحار الأنوار: ج44 ص248، وغيره بألفاظ مشابهة.

[3]- كمال الدين وتمام النعمة: ص64.

[4]- راجع مسند أحمد بن حنبل: ج6 ص22 ح16876، المعجم الكبير: ج19 ص388 ح910، الملاحم والفتن: ص153، مسند أبي داود الطيالسي: ص259، المعجم الكبير: ج10 ص289 ح687، صحيح مسلم: ج3 ص58 ح1487، السنن الكبرى: ج8 ص270 ح16612 وغيرها.

[5]- الغدير: ج10 ص360.

[6]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج13 ص242.

[7]- صحيح مسلم: ج13 ص1478 ح1851.

[8] - و يزيد هو الذي قال عنه الإمام الحسين مبيناً سبب رفضه البيعة له: "إنا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة، و مختلف الملائكة، بنا فتح الله و بنا يختم، و يزيد شارب الخمور، و راكب الفجور، و قاتل النفس المحترمة، و مثلي لا يبايع مثله.."

[9]- نظم هذا المعنى السيد تاج الدين العاملي في بيتين وهما:

لقد كتمت آثار آل محمد

محبوهم خوفاً وأعدائهم بغضا

فأبرز من بين الفريقين نبذة

بها ملأ الله السماوات والأرضا


نقلاً عن كتاب "لماذا اخترت مذهب أهل البيت".

[10]- أي الإمام علي و كان يستعمل هذه الكنية استحقاراً له

[11]- صحيح مسلم: ج3 ص7 ح1453، و ج8 وفيه (هذا الأمر) بدلاً من (الإسلام)، و ج9 وفيه (هذا الدين عزيزاً منيعاً). (وضمنيها الناس) بدل لم أفهما، مسند أحمد ابن حنبل: ج7 ص422 ح20882، سنن أبي داود: ج4 ص106 ح4280، تاريخ بغداد: ج2 ص126، وفيهما: (فكبر الناس وضجوا ثم قال ...).

[12]- مسند احمد بن حنبل: ج2 ص55 ح3781، المستدرك على الصحيحين: ج4 ص546 ح8529، المعجم الكبير: ج10 ص158 ح10310، مسند أبي يعلى: ج5 ص31 ح5009، وراجع الخصال: 467/6-11 أمالي الصدوق: 254/4-7.

[13]- الكافي: ج1 ص534 ح18.

[14]- ينابيع المودة: ج3 ص254 ح59.

[15]- إكمال الدين: ص264 ح12، عن أبي حمزة الثمالي.

[16]- سورة النور: الآية 25.

[17]- سورة الأحزاب: الآية 40.


 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.