كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

الدلالة السابعة:

 

إنّ طريق الهداية والسعادة الأبدية منحصر بالتمسّك بالعترة الطاهرة بدلالة قول النبي : (ما إن تمسّكتم بـهما لن تضلّوا بعدي أبدا..)، فالهداية منحصرة بهذين الثقلين، ولن تكون الأمّة في مأمن من الضلالة والضياع إلاّ بالتشبّث بالقرآن والعترة.

فبعد أن ثبت أنّ السعادة تكمن في اتباع القرآن, وأن علم القرآن موجود لدى العترة الطاهرة وأنهما لن يفترقا أبدا، أصبح من الضروري أن نتمسك بأهل البيت من أجل نيل السعادة وتجنب الشقاء. فلو وجدت السعادة عند غير العترة لافترق القرآن عنهم والتحق بغيرهم وهذا باطل.

فإمامة أهل البيت يدلّ عليها هذا الحديث بكلّ وضوح ويفيد وجوب اتباعهم وعدم مخالفتهم والأخذ عنهم في جميع الأمور وعلى رأسها المعتقدات والأحكام وغير ذلك من المسائل الدنيوية والأخروية، فلا يمكن لنا أن نخالفهم بقول أو فعل لأنّ أي عمل أو قول أو اعتقاد يخرج عن إطارهم يعتبر خارجا عن إطار القرآن، وهم بذلك مقياس دقيق يعرف به الصراط المستقيم المؤدي إلى النعيم الأبدي أو طريق الضلال المنتهي إلى الشقاء السرمدي، حيث لا يكون الهدى إلاّ باتباعهم ولا يكون الانحراف إلاّ بمخالفتهم، ولذلك قال النبي : (ما إن تمسكتم بـهما لن تضلوا بعدي أبدا).

وكما أن تعاملنا مع القرآن إنّما هو بمنزلة الأخذ بكلّ ما بين دفتيه والعمل بحذافيره والإئتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه لأنّه كلام الله المنزل، فكذلك ينبغي أن نتمسّك بالعترة التي هي عدل القرآن كما صرح بذلك حديث الثقلين، فأمرنا رسول الله باتباعهما معا فقال: (بـهما) ولم يفرد أحدا منهما بل جعلهما (ثقلين) لثقل المسؤولية التي تمكن باتباعهما. ولذلك يكون اتباع أهل البيت بعد رسول الله فرضا كما أن اتباع القرآن فرض على كلّ مسلم آمن بالله وبرسوله. ولو كان أحدهما يغني عن الآخر لما أوصى النبي بـهما معا.

وممّا يدلّ على ذلك الحديث المتواتر عن أبي ذر الغفاري t[1] حيث قال وهو آخذ بباب الكعبة: ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر جندب بن السكن، سمعت رسول الله يقول: إني خلّفت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ألا وإن مثلهما فيكم كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق[2].

بناء على ما مر، وكما لا يجوز الأخذ عن أعداء أهل البيت ومن ادّعى الإمامة والولاية والوصاية في مقابلهم، فكذلك لا يجوز طلب المعارف من غير العترة الطاهرة ولا يجوز الأخذ عن كل من ينتمي إلى مناهج مخالفة لمدرسة أهل البيت ومن أصول نابعة من غير الدين الإسلامي الحنيف في صورته النقية التي جاء بـها النبي وأهل بيته، والأخذ عن الفلاسفة والعرفاء والصوفية الذين قاموا بالتلفيق بين العقائد الإسلامية وبين ما لا يمتّ إلى الإسلام بصلة مما ترجم من التراث اليوناني الإغريقي وثقافته الوثنية المشركة بالله والرهبانية المبتدعة وغيرها من الديانات والمذاهب الفاسدة الأخرى.

فقد أبدع هؤلاء في الدين وحرفوا الكلم عن مواضعه وضلّوا من اتبع آرائهم الباطلة، وقالوا بوحدة الوجود أو وحدة الوجود والموجود، وزعموا أن وجودنا ووجود الله تعالى من سنخ وجنس واحد، والفرق بينهما يكمن في الشدّة والضعف.. فوجود الله شديد ووجودنا ضعيف، وهو الجوهر والخلق أعراضه، وإن الله بمنزلة البحر والموجودات بمنزلة القطرة التي فاضت من ذلك البحر، أو الموج الهائج فيه، وأنه بالرياضة النفسانية وخلال قوس الصعود يمكن أن نرجع فنفى في ذلك البحر اللّجي[3].

هذا وقد قال الله في كتابه: (وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين)[4].

وقد وصف هؤلاء الله تعالى بما لم يصف به نفسه فاختلفوا في ذات الله وصفاته وأسماءه العليا التي منعوا عن التفكر فيها، وتاهوا عن سواء السبيل وحبل الله المتين الذي أمروا بالتمسك به، وهو أهل البيت الذين قال الله عنهم في كتابه: (وابتغوا إليه الوسيلة) فكانوا هم السبيل إليه والمسلك إلى رضوانه.

ولا عجب فهذا هو مصير كل من اتبع هواه وترك سبيل القرآن وأهل بيت النبي الذين أكّدوا أن وجود الله ووجودنا متباينين بالبينونة الصفتية التي هي أشد أنواع البينونة، فالله عز و جل خالق ونحن مخلوقون، وهو قادر ذاتا ونحن عاجزون، وهو عالم ذاتا ونحن جاهلون وهو غني ذاتا ونحن عاجزون، وكذلك فإن وجودنا واستمرار بقائنا متعلق بمشيئته تعالى لأن الله قائم بنفسه ووجودنا قائم به، وهو شيء بحقيقة الشيئية ونحن شيء بالغير ومحتاج لحظة بلحظة إلى الغير من أجل تكوينه ووجوده وحتى شيئيته.. وأن وجود الله أصل ذاته القديمة بينما وجودنا مقرون بالعدم.

كما لا يمكننا درك كنه وجود الله تعالى أبدا أو أن نحيط به علما أبدا، وكل ما نستطيع أن نعقله في باب معرفته تعالى هو إخراجه عن الحدين، حدّ التعطيل وحد التشبيه، وقد قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)[5].

فلكي يكون رضى الله عز و جل شاملا لحالنا لا بد لنا أن نسلك الطريق الذي أمرنا بالسير فيه وأن نبتغي إليه الوسيلة المثلى التي أرشدنا أليها ومنَّ علينا بجعلها سبيلا إليه وسراطا لنيل السعادة الأبدية لديه؛ ألا وهي التمسك بالقرآن وبالعترة الطاهرة، وقد نـهانا الله تعالى عن اتباع غير سبيله فقال عز و جل: (وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكّم تتقون)[6].

ألا ترى أن الطريق إلى لقاء الواحد منا إنّما يعيّنه ذلك الشخص لا غيره. فإذا أراد أحدنا أن يلتقي برئيس الدولة أو الملك ـ مثلا ـ لزم أن يجتاز العديد من القنوات المخصصة من قبل الملك، وإذا حاول المرء أن يدخل القصر الملكي عبر نافذة المنزل بدلا من بوابته للاقى ما لا يرضيه من الحرس وذلك لأنه أسخط الملك بفعلته ولأنه تعدى حدوده.

هذا بالنسبة إلى ملوك الدنيا فكيف بجبّار السماوات والأرضين الذي قال: )ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون([7].

فلكي نحظى بلقائه ومعرفته تعالى، لابدّ أن نطلب ذلك منه ومن حيث أمرنا هو، لا أن نخترع ونبتدع السبل إليه من تلقاء أنفسنا، ولو فعلنا ذلك لم نصل إليه أبدا، بل لن تزيدنا كثرة السير إلى بعدا عن المقصود. كما نقرأ في دعاء للإمام علي بن الحسين السجاد : (الهي بك عرفتك وأنت دللتني عليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت).

وكما أنّ النواة الفاسدة لا تنتج إلاّ نبتة فاسدة، فكذلك المنهج الفاسد الذي أخذ أصله من بعض الكفرة الملحدين أمثال أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم ممن أخذ عنهم وترك تعاليم النبي وأهل بيته والقرآن الذي (فيه تبيان لكل شيء) وراء ظهره أو اتبعوا ما تشابه منه (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)، لا يمكن أن ينتج فكرا بنّاءا للواقع المعيش الملموس، بدليل بطلان ما جاءوا به في العلوم الطبيعية كالنجوم والأفلاك وغيرها إلى حد فضيع ومخجل، فكيف له أن يكشف لنا حقيقة الأشياء وأن يوصلنا إلى معرفة البارئ، فتعلى الله عمّا يصفون علوّا كبيرا.

فكما أن تطوّر العلوم والأبحاث الحديثة نسفت العلوم الطبيعية القديمة التي أنشأها الفلاسفة، كذلك فقد هدّت علوم الوحي وما جاء به الأنبياء والرسل ما تبقى من حطام الفلسفة التي بحثت ما يتعلق بالإلهيات و"ما وراء الطبيعة".

هذا وقد جاء النبي بـها نقية صافية ولا حاجة لنا أن نمد أيدينا نحو هذا وذاك. فـأهل البيت هم الباب الذي ينبغي لكل طالب علم صحيح أن يطرقه، فقد قال رسول الله في الحديث المشهور والمتفق عليه: (أنا مدينة العلم وعلي بابـها، فمن أراد المدينة والحكمة فليأتها من بابـها)، وقال تعالى: (وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها) فكيف بسقوفها أو جدرانـها أو ما شابه ذلك! ثم يقول عزّ من قائل: (ولكن البرّ من اتقى وأتوا البيوت من أبوابـها واتقوا الله  لعلكم تفلحون)، ففي هذه الآية إشارة إلى المعنى الذي ذكره رسول الله ونهيا صريحا عما سوى ذلك.

فلا سبيل لطلب العلوم والمعارف الإلهية إلاّ عبر باب علم الرسول، أي علي بن أبي طالب الذي قال: (علّمني رسول الله ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب).

لذا فأهل البيت هم عيبة علم الله ومخـزن أسراره، وهم باب حطّة والطريق إلى معرفة الله حق معرفته، والذين ما زالوا بصحبة القرآن حتى يوم القيامة ولا يمكن التفكيك بينهما ولا إضافة شيء آخر إليهما.

 

مثال علمي دقيق لتقريب المعنى

أضرب هنا مثالا من الطبيعة لأقرّب المعنى؛ إن عنصر الأوكسجين ـ وهو عنصر أساسي وضروري لبقاء الحياة على وجه الكرة الأرضية ـ متوفر بشكل وسيع جدا، وبغضّ النظر عن أهمية الأوكسجين في التركيبات الحياتية كالماء وغيره من المركبات التي لولاها لقضي على الإنسان والحيوانات والنباتات حلى حد سواء، فإن من أشيع فوائد هذا العنصر هي في عملية التنفس المستمرة، حيث يتم استنشاقه وضخه عبر الرئة وبوسيلة الدم إلى جميع خلايا البدن وأعضائه خلال عملية معقّدة وسريعة لا تستغرق إلاّ بضع لحظات.

وما يهمنا هو تركيب نفس هذا العنصر بين ذرّاته. فيتشكل الأوكسجين المستنشق من ذرتين ملتصقتين معاً (ويسمى بال‍ـ"داي اتوميك أوكسجين"، ولذلك يرمز إلى هذا النوع ب‍ـ(O2).

أما النوع الآخر هو الأوزون وهو ما يوجد بكثافة في طبقة الأوزون المحيطة بالكرة الأرضية. فهو نفس الأوكسجين، إلاّ أنه يتشكل من ثلاث ذرّات من العنصر الواحد ويرمز له ب‍ـ(O3) وله خواصّه الكيماوية والفيزيائية المميّزة.

وهنالك نوع آخر من الأوكسجين وهو ما يتشكل من ذرّة واحدة منفردة، ويمتاز هذا النوع بخواصه المنحصرة أيضا.

وبالرغم من أن هذه الغازات الثلاثة متشكلة من ذات العنصر وهو الأوكسجين، لكنها تختلف أشد الاختلاف من حيث الخواص لاختلاف عدد ذراتها. فإننا إذا استفدنا من عنصر الأوكسجين في حالته الطبيعية المزدوجة حصلنا على عنصر حياتي مهم لا يمكن التخلي عنه، أما إذا أضفنا إلى هذا شيء ثالث ـ ولو كان من نفس العنصر ـ لحصلنا على شيء آخر.. وإذا فصلنا ما بين الذرات حصلنا على الأوكسجين من نوع ال‍ـ(موناتوميك) وهو أيضا لا ينفع لعملية التنفس إن لم يكن مضرا لها.

فترى أن الأوزون هو غاز مسموم لا يمكننا استنشاقه، والأوكسجين "موناتوميك" كذلك فهو ما يتركب مع الكربون لإيجاد غاز ال‍ـ"مونو أكسيد الكربون" وهو غاز سام ملوّث للهواء.

فليس لنا بد إلاّ من الاستفادة من الأوكسجين على ما هو عليه.. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن "المثال يقرب من جهة ويبعّد من جهات"، كذلك الثـقلين؛ حيث لا يمكن التفكيك بينهما والتمسك بأحدهما والتخلي عن الآخر، لأنهما متلازمان.. كما لا يمكن إضافة عنصر آخر إليهما كالفلسفة أو الرأي والقياس ـ مثلا ـ لأن ذلك لا يجني فائدة قط، بل وإنه يفسد التركيبة ولن ننتفع بأي منهما.. (وكذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب).

 


 

[1]- الذي قال عنه رسول الله : (ما أضلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر).

[2]- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص239، المستدرك على الصحيحين: ج3 ص163 ح4720، و ج2 ص343، فرائد السمطين: ج2 ص246 ح519، ينابيع المودة: ج1 ص94 ح5، المناقب لابن المغازلي: ص132 ـ 134، كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج2 ص937، وغيرها.

[3]- قال صاحب (الأسفار) في الجزء الثاني، الصفحة 368: "اعلم أنّ واجب الوجود ـ أي الله ـ بسيط الحقيقة غاية البساطة، وكل بسيط الحقيقة كذلك، فهو كل الأشياء، فواجب الوجود كل الأشياء، لا يخرج عنه شيء من الأشياء". فتأمل!

[4]- سورة الزخرف: الآية 15.

[5]- سورة الشورى: الآية 11.

[6]- سورة الأنعام: الآية 153.

[7]- سورة البقرة: الآية 229.

 


 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.