كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-


 


 

كان الجوّ حاراً إلى درجة لا تطاق.. وكان السراب يلمع في الأفق ليتراءى للمرء أنه بقرب ساحل محيط هائج، ولكنه سرعان ما يفيق من ذلك الخيال بحرارة الرمال الجافة وهي تلتهب تحت قدميه.. فكل قد وضع شيئا من ملابسه تحت رجله ليقي بذلك حرارة الرمال.

لكن لم يكن أحد ليأبه بحرارة الشمس الصاخبة وجفاف الصحراء القاحلة لبضع دقائق وهم يترقّبون مقولة النبي بفارغ الصبر، وذلك لأنّ تلك الحشود كانت قد اجتمعت بأمر من سيدها ومولاها، وهو السبب الذي كان الناس قد خرجوا في هذا السفر القاسي ـ والممتع في آن واحد ـ امتثالاً لأمره واتّباعاً لسيرته.

ثم ارتقى النبي منبرا قد صنع من أكوار الإبل وهو بانتظار القوافل المتأخرة لتلحق، والمتقدمة لتعود، حتّى يلقي خطابه الجماهيري الذي بدا مهمّا للغاية.. فقد دعا النبي ذلك الحشد الغفير إلى كلمة كانت ستغيّر مجرى التاريخ إلى يوم القيامة، وإلى قضية كانت ستضع بصماتها الخالدة على مصير العالم بأسره.

لقد شهد ذلك الموقف التاريخي أكثر من مائة ألف رجل وامرأة من المسلمين الذين كانوا في طريق العودة من حج بيت الله الحرام الآخر بصحبة رسول الله ، حتّى أوقفهم النبي بجوار عين اشتهرت بغدير خمّ.

"يا ترى ما الذي دعا النبي لمثل هذا؟ وفي هذا المكان بالذات، وتحت هذه الظروف القاسية؟!".

فلما اجتمع الحجاج أخذ النبي بيد أخيه[1] وابن عمه[2] وصهره[3] ووصيه[4] ووارث علمه[5] وحجة الله على خلقه[6] ووليد الكعبة[7] وربيب حجر النبوّة[8] وأوّل القوم إسلاما[9] وأقومهم إيمانا أمير المؤمنين[10] ويعسوب المتقين وإمام المسلمين[11] وقائد الغرّ المحجّلين ومولى الموحّدين أسد الله الغالب[12] علي بن أبي طالب ، فرفعها النبي عاليا حتّى بان بياض إبطه.. وقال فيما قال: "يوشك أن أدعى فأجيب" ـ ثم قال ـ "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟"

فقال الناس من دون تردّد ولا ارتياب: بلى.

فقال قولته التي مازالت تدوّي عبر العصور: "من كنت مولاه فعلي مولاه"[13] ثمّ خطب فيهم[14] وأخبرهم بأنه سيلتحق بالرفيق الأعلى، فبكى الناس وخيّم عليهم ضباب من الحزن والأسى على فقد نبيهم الذي أنقذهم من شفا حفرة من النار منذ زمن ليس ببعيد، لكنّه طمأنهم بأنه سيخلف فيهم من يقوم مقامه ويحذو حذوه، ونصب لهم علما هاديا يرشدهم إلى طريق الحق والهدى، ويحل لهم ما يحل الله ويحرّم عليهم ما حرّم الله ويفرّق لهم بين الطيّب والخبيث وينير لهم طريق الحق والصواب ليسيروا على هداه، يدفع عنهم الخلاف ويصونهم من الضلال وأمرهم باتباعه فقال:

 

(إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بـهما لن تضلوا بعدي أبدا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وقد نبأني اللطيف الخبير أنـهما لن يفترقـا حتى يردا عليّ الحوض).

فبلّغ الرسالة ونفّذ ما أمره الله به في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته).

فكان كلّ ما تحمّله النبيُّ من أعباء الرسالة وجهاده ومعاناته يذهب سُداً لو لم يبلّغ هذا الأمر العظيم. فلمّا بلّغ ولم يبق مجال للشك والشبهة وأخذ البيعة منهم واحداً تلو الآخر، جاءه واحد ممن سيكون خصما له عمّا قريب قائلا وهو يصافحه للمبايعة: "بخ، بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولا كل مؤمن ومؤمنة.."[15].

ثم نزل الأمين بقولـه تعالى: (اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). فكان كمال الدين وتمام النعمة بنصب علي بن أبي طالب ولياً و أميراً. وكان هذا الموقف أحد المواقف التي نصب فيها النبي الإمام علياً أميرا للمؤمنين وذكر حديث الثقلين..

حديث الخلافة العظمى..

حديث الولاية الكبرى..

حديث الوصية الغرّاء..

..وهو الذي نحن بصدد استكشاف حقائقه السامية في هذه الرسالة المختصرة، حيث أوردت بعض الأدلة التي استنبطت من كلمات النبي الأكرم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى، وذلك حتى يتجلى للقارئ الحق الصريح الواضح في أجلى مظاهره.

وقد أوردت بحثا موجزا في هوية أهل البيت المعنيين بلفظ العترة،كما أوردت أيضا بحثا في سند هذا الحديث الذي تواتر نصّا ومعنا وأجمع عليه المسلمون كافة وأوردوه في كتبهم المعتبرة.

وأقدم هذا الجهد المتواضع، هدية إلى سيدي ومولاي وإمامي ومقتداي المهدي المنتظر والحجة الثاني عشر، ولي العصر وصاحب الزمان و إمام الإنس و الجان، مهدي هذه الأمة وطاووس أهل الجنة الحجة بن الحسن العسكري، راجيا من الله القبول واستمّد من المولى -عز و جل- العون والتوفيق لما يحب ويرضى وله الحمد أولاً وآخراً.


 


نذكر فيما يلي بعض ما ورد على لسان النبي من أحاديث تتضمن هذه التعابير أو ما يشابهها في فضل أمير المؤمنين :

[1]- سنن الترمذي: ج5 ص595، ينابيع المودة: ج1 ص55، المستدرك على الصحيحين: ج3 ص15 ح4289، فرائد السمطين: ج1 ص116 ح81، الصواعق المحرقة: ص122، تاريخ ابن عساكر: ج1 ص117؛ وكذلك فإن أمير المؤمنين هو نفس رسول الله كما في آية المباهلة؛ راجع صحيح مسلم: ج15 ص175.

[2]- فهو ابن أبي طالب عمّ النبي .

[3]- كشف الغمة للأربلي: ج1 ص353، أعلام النساء: ج4 ص108، الطبقات: ج8 ص19.

[4]- ينابيع المودة: ص251، ترجمة الإمام علي بن أبي طالب: ج1 ص88 رقم142.

[5]- كنز العمال: ج11 ص600 ـ 614، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص203، الغدير للأميني نقلاً عن كتب السنة: ج3 ص95 ـ 99.

[6]- ينابيع المودة: ج1 ص495.

[7]- المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج3 ص483، المناقب لابن المغازلي: ج6 ص22، تذكرة الخواص: ص20، الغدير عن أعلام السنة: ج6 ص22، قد ورد أيضاً: "يعسوب المؤمنين" كما في ينابيع المودة: ص185، تذكرة الخواص: ص16.

[8]- تاريخ الطبري: ج2 ص57، السيرة النبوية بـهامش السيرة الحلبية: ج1 ص176.

[9]- تاريخ الطبري: ج2 ص55، مستدرك الحاكم: ج3 ص121، الكامل في التاريخ: ج1 ص484، تاريخ بغداد: ج1 ص134.

[10]- ينابيع المودة للقندوزي: ص238.

[11]- تاريخ الخلفاء  للسيوطي: ص199، تذكرة الخواص لابن الجوزي: ص13.

[12]- مستدرك الحاكم: ج3 ص34، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج12 ص82.

[13]- راجع موسوعة "الغدير في الكتاب والسنّة والأدب" للعلامة الشيخ عبد الحسين الأميني ، و كذلك موسوعة "عبقات الأنوار" للعلامة الشيخ مير حامد حسين الهندي .

[14]- الغدير: ج1 ص214 ـ 229.

[15]- فضائل الخمسة من الصحاح الستة: ج1 ص432، الصواعق لابن حجر في الفصل الخامس من الباب الأول و الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج8 ص290 والخوارزمي في المناقب: ص93 ـ 94  الخ..

 

 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.